السيد عباس علي الموسوي

46

شرح نهج البلاغة

يمشي ممشاه ويدخل مداخله التي هي في طاعة اللّه والبعد عن الدنيا وإلا فإذا لم يتخذ النبي إسوة له ويمشي على خطه ويسلك دربه فإنه لا يأمن الهلكة والعذاب والنار . ( فإن اللّه جعل محمدا - صلّى اللّه عليه وآله - علما للساعة ومبشرا بالجنة ومنذرا بالعقوبة ) إن اللّه جعل محمدا صلّى اللّه عليه وآله دليلا على قرب يوم القيامة حيث إنه لا نبي بعده أو أن يراد أنه أرسله ليبلغ الناس بيوم القيامة وأنها لا بد من وقوعها والوصول إليها وجعله مبشرا بالجنة لمن أطاع اللّه ومنذرا بالنار لمن عصى اللّه . . . ( خرج من الدنيا خميصا وورد الآخرة سليما لم يضع حجرا على حجر حتى مضى لسبيله وأجاب داعي ربه ، فما أعظم منة اللّه عندنا حين أنعم علينا به سلفا نتبعه وقائدا نطأ عقبه ) تنفير من الدنيا وتبغيض بها وأن لا يركن المسلم إليها بل يتأسى بنبيه الذي كانت حالته معها بهذا المستوى . فقد خرج من الدنيا جائعا حقيقة أو كناية عن عدم التمتع بملذاتها ونعيمها وورد الآخرة سليما من شر الدنيا وما فيها من مبعدات عن اللّه . ومن زهده أنه لم يضع حجرا على حجر أي لم يبن بيتا يسكن فيه كما يبني الناس زهدا في الدنيا ومعرفة منه بحقيقتها وأنه لن يبقى عليها ولن تدوم له وأن كل ما يبني سيتحول عنه إلى الوارث وسيعبث به الزمان فيذره أثرا بعد عين وطللا دارسا . إنه صلوات اللّه عليه أجاب داعي ربه الذي دعاه إلى الآخرة ولقاء اللّه . وبعد هذا أراد أن يعترف بعظيم نعم اللّه عليه وعلينا حينما أنعم بنبيه علينا سلفا نتبع أثره وقائدا نمشي على خطاه ، وهل هناك أعظم من إنسان رسول يتقدمنا ونحن نسير خلفه فإن المسيرة هادفة وصحيحة والخطوات ثابتة ورزينة . . . ( واللّه لقد رقّعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها ولقد قال لي قائل : ألا تنبذها عنك فقلت : أغرب عني فعند الصباح يحمد القوم السّرى ) ذكر عليه السلام حاله وتأسيه بالنبي وأنه قد رقّع مدرعته حتى استحى من نفسه لكثرة رقعها فقال له هذا القائل : ألا ترميها عنك وكأنه أراد منه أن يستبدل بها غيرها أحسن منها . فأجاب الإمام بأن يبعد عنه ولا يتكلم بهذا ثم قال له : « عند الصباح يحمد القوم السّرى » وهو مثل يضرب لمن يحتمل المشقة عاجلا ليصل إلى الراحة آجلا فهو عليه السلام يتحمل المدرعة المرقعة التي لا تليق بشأنه ليصل إلى الآخرة سالما من عيوب الدنيا وما فيها . . .